السعيد شنوقة

175

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الأشاعرة في الأخذ بالتوقيف إلى رأيهم في الكلام الإلهي صفة ذاتية قديمة كلام نفسي قائم بذات الله . وإذا كان المعتزلة يقولون : إن المخلوق كلام الله فإن الأشاعرة لا يقولون إنه كلام الله لكنهم يسمونه مجازا كلام الله وهو قول جمهور متقدميهم ، أما بعض متأخريهم فيطلقونه على الكلام المنزل الذي نقرؤه ونكتبه في المصاحف وعلى الكلام النفسي بالاشتراك اللفظي « 1 » . ومن أدلتهم النقلية على حدوث القرآن الكريم : - قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] كلّم : دل على حدوث كلامه لأنه يقتضي حدوث كلام ما كلم به غيره ، ولما كانت المصادر لا تكون إلا حادثة لزم أن ما كلم به غيره حادث ، وهذا ما اقتضاه « تكليما » هذا بالنسبة إلى الكلام الإلهي لكن المعتزلة ينفون صفة الكلام بمعناه الحسي الحرفي عن الله عز وجل لقولهم الكلام من صفات الأفعال ، فكلامه تعالى لموسى - عليه السلام - وفق معتقدهم : خلق كلاما كما شاء فسمعه موسى وفهمه . غير أن ابن قتيبة ذكر في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى أكد معنى الكلام بالمصدر ونفي عنه المجاز ، فدل هذا على وقوع الفعل حقيقة وبأنه كلام الله نفسه . وتبيين هذا أن المصدر في قول الله عز وجل بيّن معنى التأكيد الدال على بطلان من يقول خلق لنفسه كلاما في شجرة فسمعه موسى ، وإنما هو الكلام الحقيقي الذي يكون به

--> ( 1 ) انظر الآمدي علي بن أبي علي محمد بن سالم ، غاية المرام في علم الكلام ، ج 1 ، ص 88 . وكذا ، أحمد بن إبراهيم بن عيسى ، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام بن القيم ، ج 1 ، ص 267 . لم يختلف أهل الإسلام في أن الله تعالى متكلم موصوف بهذه الصفة ، وإنما اختلفوا في هل كلامه نفسي أو لفظي وفي حدوثه أو قدمه ، ولما رأوا قياسين متعارضي النتيجة هما كلام الله تعالى صفة له ، وكل ما هو صفة له فهو قديم فكلام الله عز وجل قديم وكلام الله مؤلف من حروف وأصوات مترتبة متعاقبة في الوجود وما حاله هكذا فهو محدث فكلام الله تعالى محدث ، فاضطروا إلى إبطال أحد المقاييس لامتناع حقيقة النقيضين ، فذهب الحنابلة إلى أن كلامه حروف وأصوات وهي قديمة ومنعوا حدوث كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات ، وقيل : منعوا إطلاق لفظ الحادث على الكلام اللفظي كي لا يتوهم حدوث الكلام النفسي كما قال بعض الأشاعرة : كلامه ليس قائما بلسان أو قلب ولا في مصحف أو لوح ، ومنعوا حدوث الكلام وإن كان المراد اللفظي كي لا يتوهم حدوث الكلام الأزلي . وقال المعتزلة بأنه حادث مؤلف من أصوات وحروف قائم بغيره مخلوق ، انظر شرح قصيدة بن القيم ، ج 1 ، ص 280 .