السعيد شنوقة

150

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وردّ المعتزلة على الأشاعرة وأهل السنة فيما احتجوا به على جواز الرؤية بإجماع الصحابة فقالوا : « لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على ذلك » ، فقد روي « 1 » عن عائشة أنها قالت : « لما سمعت قائلا يقول : إن محمدا رأى ربه ، فقالت : لقد قفّ شعري مما قلت . ثلاثا . من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ثم تلت قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] رغم أن بعض الدارسين رووا في سياق ما قالته عائشة - رضي الله عنها - أنه قيل للإمام أحمد : « إنهم يقولون : إن عائشة قالت : من زعم أن محمدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية » « 2 » ، فبأي شيء يدفع قولها ؟ قال : بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربي » . قول النبي صلى اللّه عليه وسلم أكبر من قولها » « 3 » . وليس في الآية السابقة عند الشريف المرتضى أكثر من ذكر الحجاب ، وليس فيها أنها حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه ، وإذا لم يكن في الظاهر شيء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عز وجل ، مما يجوز أن يكون محجوبا » « 4 » ثم جوّز أنه سبحانه قد يريد بقوله : أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الآية : أنه يفعل كلاما في جسم محتجب على المكلّم ليس معلوما له على التفصيل ، فيسمع المخاطب الكلام دون أن يعرف محله على سبيل التفصيل ، فيقال على هذا : هو مكلم من وراء حجاب . وأضاف قائلا : « روي عن مجاهد في قوله عز وجل : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ، قال : هو داود أوحي في صدره فزبر الزّبور أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، وهو موسى أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ، وهو جبريل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وآله " ، ثم بين المرتضى رأي الجبائي في معنى الآية بأنه جار مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير الإفصاح به ، وأنه تعالى يحجب ذلك الكلام عن

--> ( 1 ) ذكر جولد زيهر الرواية في هذه المسألة بشيء من الاختلاف . قال : « قيل لعائشة : إن كعب الأحبار يقول : إن الله قسّم رؤيته وكلامه بين نبيين موسى الذي ( كلمه الله ) ومحمد الذي ( أذن له برؤية الله ) قالت : معاذ الله لقد قفّ شعري مما قلت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله » . مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 128 . ( 2 ) انظر الزمخشري ، الكشاف ، ج 3 ، ص ، 476 الفرية : جمع فرى ، الكذب واختلاقه . ( 3 ) انظر محمد صديق حسن خان القنوجي ، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ص 115 وهامش رقم 252 . ( 4 ) أمالي المرتضى ، ج 2 ، ص 205