السعيد شنوقة
144
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
من أن الله لا يصحّ أن يرى « 1 » . وقال الزمخشري في هذا : « بأن الأبصار لا تتعلق به ، ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته ، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك » « 2 » . إنهم منعوا رؤية الله تعالى وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان ، وعلى ذلك أولوا ( ناظرة ) بمنتظرة ، وعدّوا النفي العام في الآية السالفة دليلا على ما ذهبوا إليه ، وغايتهم في ذلك تنزيه الله سبحانه عن المشابهة والتجسيم . وقد ردّ تأسيسهم في الرؤية لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود ، والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم ، فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي « 3 » . وقد فرّق أهل السنة بين الإدراك والرؤية ، لذا أولوا الإدراك بالإحاطة بالمحدود ، وذهبوا إلى أن الله سبحانه تعالى عن أن يوصف بالحد الذي يتضمن معنى النهاية . أما الرؤية فلا تعني الإحاطة بالمحدود ، لهذا جوّزوا أن يرى الله ، ونفوا جواز أن يدرك لأنه يتعالى عن الحد « 4 » . ولما كان الإدراك غير الرؤية وأن الله عز وجل قد نفى أن يدرك بالبصر أو أن يحاط به ؛ فإنه حسب تأويلهم لم ينف أن يرى ، وفي هذا قال ابن المنير « 5 » : « الإدراك عبارة عن
--> ( 1 ) انظر أمالي المرتضى ، ج 1 ، ص 22 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 41 . ( 3 ) انظر محمد شمس الحق العظيمآبادي أبو الطيب ، عون المعبود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 2 ، 1415 ه ، ج 13 ، ص 37 . ( 4 ) نظر الجويني أبو المعالي ، الإرشاد ، تحقيق محمد يوسف وعلي عبد المنعم ، مكتبة الخانجي ، 1950 م ، ص ، 182 إلا أنهم جوّزوا حصول الإدراك بغير رؤية عقلا ، وعلى ذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة خلافا للمعتزلة . انظر أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني ( ت 852 ه ) ، فتح الباري ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي . محب الدين الخطيب ، دار المعرفة بيروت ، 1379 ه ، ج 1 ، ص ، 514 ( 5 ) أحمد بن محمد بن منصور ، قاضي الإسكندرية وعالمها . هو إمام بارع في الفقه والأصلين والعربية ، له باع طويل في علم التفسير والقراءات والنظر والبلاغة والإنشاء ، وكان خطيبا مصقعا ، من كتبه : " البحر الكبير في نخب التفسير " و " الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال " ( ت 683 ه ) . انظر عادل نويهض ، معجم المفسرين ، قدم له الشيخ حسن خالد ، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر ، ط 2 ، 1986 م ، ج 1 ، ص 66 .