السعيد شنوقة

145

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الإحاطة ومنه : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] أي أحاط به و : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ] أي محاط بنا ، فالنفي إذا عن الأبصار إحاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية ( . . . ) يدلنا أن تخصيص الإحاطة بالنفي بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك وأقلّه مجرد الرؤية . كما أنا نقول : « لا تحيط به الأفهام وإن كانت المعرفة بمجرّدها حاصلة لكل مؤمن ، فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للحس وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحس ثابت غير منفي » « 1 » ، وقد ردّ المعتزلة نافين أن يكون الإدراك بمعنى الإحاطة معللين ردّهم بأن معنى الإحاطة ليس بمعنى الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها لأنهم يقولون : السور أحاط بالمدينة ، ولا يقولون : أدركها أو أدرك بها وذهبوا إلى أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع في الموضعين واحد ، فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة « 2 » . لكن المعتزلة فرّقوا بين الإدراك المطلق والمقيد بالنظر الذي أوّلوا عليه قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] « ووجه الدلالة في الآية هو ما قد ثبت من أنّ الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية » أما « إذا أطلق يحتمل معاني كثيرة فقد يذكر ويراد به البلوغ ، يقال : أدرك الغلام أي بلغ الحلم ( . . . ) ويراد به النضج والإيناع ، يقال : أدرك الثمر إذا أينع » « 3 » . وإذا قيل عند الإطلاق : « أدركت ببصري حرارة الميل » ، فكيف يصح قولكم : « إنّ الإدراك إذا قرن بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية » ؟ أجاب القاضي عبد الجبار : « ليس هذا من اللغة في شيء وإنما اخترعه ابن أبي بشر الأشعر ليصحّح به مذهبه إذ لم يرد في كلامهم لا المنظور « 4 » ولا المنثور يبين ما ذكرناه ، ويوضحه أن هذه الباء إذا دخلت على

--> ( 1 ) الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص ، 42 وانظر الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 307 - ، 309 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 194 - 195 . ( 2 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 168 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 162 وانظر ابن منظور ، لسان العرب ، ج 2 ، ص 138 ، ج 3 ، ص 235 ، ج 5 ، ص 54 . ( 4 ) لصحيح أن يقال : " المنظوم " ولا ندري أيعود منشأ الخطأ إلى الأصل أم إلى نسخة هذا الطبع ، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ، الجزائر .