السعيد شنوقة
109
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
والثالث : أن ما دل على الصفة دلّ على العلة . وهذا معناه مغايرة صفات الله تعالى لصفات المخلوقين . فالله تعالى قادر ليس كالقادرين لأن صفة القدرة عنده سبحانه ليست من جنس صفة القدرة عند العبد « 1 » . غير أن العلة في كون أحدنا قادرا هي العلة نفسها في كونه تعالى قادرا « 2 » . وإذا كان الواحد منا عالما قادرا وجب أن يكون جسما لعلة هي مفقودة في حق الله عز وجل لأن أحدنا عالم بعلم وقادر بقدرة ، وكلاهما يحتاج في الوجود إلى محل مبني بنية مخصوصة لا بدّ أن يكون على هذا الوجه جسما ، ويمتنع أن يكون الله تعالى كذلك لأنه عالم لذاته وقادر لذاته ، فلا يلزم أن يكون على ذلك جسما لتنزّهه عن الجسمية « 3 » . لهذا قالوا : الله تعالى قادر بنفسه والعبد قادر بالقدرة والقادر بالنفس يخالف القادر بالقدرة ، وعلى هذا يقدر على أجناس لا يقدر عليها العباد بالقدرة « 4 » . ولقد أنكر المعتزلة أن يكون الله تعالى عالما بعلم محدث لأن العلم المحدث لا يخلو أن يكون إما في نفسه أو في غيره أو في لا شيء ، فإن كان في نفسه صارت نفسه
--> ( 1 ) ميز المعتزلة بين قدرة العبد وقدرة الله ، وهو تمييز في موضوع القدرة وفي طريق الفعل . فالقادر لذاته في موضوع القدرة يستطيع أن يفعل الأجسام والأعراض معا بينما لا يقدر العبد إلا على أنواع من الأغراض ، ومقدرات القادر لذاته لا تتناهى وهي تصح منه لما هو عليه في ذاته . فلا قادر يشار إليه إلا ، ويصح كونه قادرا على أكثر منه فيجب كون القادر لنفسه قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا له ، وأن لا تختص مقدوراته بقدر . أما في طريقة تحقيق الفعل فإن القادر لذاته إنما يفعل على وجه الاختراع أو بواسطة الأسباب وبدونها ولا يحتاج في ذلك لآلات وجواهر وليس هذا حالنا وإنما هو حال الله تعالى . وقد وصف المعتزلة الإنسان بالاختراع لكنه الاختراع الإنساني بمعنى التقدير ويختص بمقدرات الإنسان فقط ، فلا يترتب عن اختراع الإنسان لشيء أنه قادر على كل شيء . انظر القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، ج 4 ، ص 277 ، وج 11 ، ص 323 ، ج 12 ، ص 322 ، ج 8 ، ص ، 298 وكذا شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 152 ، 153 . ( 2 ) . إن حكم القدرة ثابت في الله عز وجل فلا بد أن يكون قادرا لأن طرق الأدلة مختلفة في الشاهد والغائب ، وإن قياس الشاهد على الغائب في مجال الإلهيات والغيبيات أمر لا يتسق مع الاعتقاد السوي . انظر د . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص ، 284 ( 3 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 155 ، 156 . ( 4 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، علق عليه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية بيروت ط 1 ، 1995 م ، ص 96 .