السعيد شنوقة

103

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ومن نماذج الأقيسة عند المتكلمين : قياس الغائب على الشاهد : وهو أن بوجه حكم جزئي معين واحد فينتقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ، فقد يدل الشاهد على مثله في الغائب ، من ذلك : « إذا وجب الحكم والوصف للشيء في الشاهد لعلة ما ، فيلزم القضاء على الموصوف بتلك الصفة من الغائب أنه مستحق لها لتلك العلة حكم مستحقها في الشاهد ، فإذا كان العالم إنما كان عالما لوجود علمه ، فإنه يجب الحكم بإثبات علم كل من وصف بأنه عالم لأن العلم المستحق لعلة يستحيل وجوده مع عدم ما يوجبه » « 1 » . ويبني المعتزلة منهج أبحاثهم كلها على أساس الانطلاق من قياس الغائب على الشاهد أو من الأثر إلى المؤثر ، يدل هذا عندهم على بعد إنساني منحوه اهتمامهم الكامل لأنه عندهم انعكاس لما تقتضيه فكرة الإله العادل الحكيم فعملوا على إقرار فاعلية الكون الإنساني وركيزته الاختيار الحر ، والتي تنشد توثيق مفهوم العدل الإلهي . لقد بنوا هذا الاختيار على أساس إنسانية ميتافيزيقية تنطلق من إدراكهم لعلاقة الخالق بالمخلوق ولمعنى قدرة الإنسان على الأفعال ، إذ الاقتدار موجب عندهم بعدل الله . وهو إسهام في فعل الخلق الإلهي من وجه ما ، إسهام مكمل لمعنى الحكمة من الخلق ومخرج للعدل الإلهي مما أوقعه فيه الجبريون . ومما قاله القاضي عبد الجبار في هذا الضرب من القياس : « أما الذي يدل على أنه تعالى عالم باستغنائه عن القبيح ( . . . ) على أن من كان هذا حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه . ولما كانت طرق الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا لزم عن ذلك أن الله لا يفعل القبيح ، ولا يسأل الإنسان إلا عما وقع منه بالاختيار » « 2 » . إن المعتزلة لم يبحثوا حرية الاختيار والمسؤولية خارج أصل العدل وخارج مجال البحث في صفات المكلف لذلك تحدد نظرتهم إلى المسؤولية بوصفها صفة للإنسان

--> ( 1 ) عاب بعض الدارسين على المعتزلة قياس الله تعالى على الإنسان ومن أنه قياس غير لازم في أن الله يسير الخلق إلى غاية ويوجه أفعاله لأننا لا نعلم عن الله ما يمكننا الحكم بهذا التفسير الإنساني . انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 1 ، ص 44 - 47 - 52 . وانظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 89 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة ، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ، الجزائر 1990 م ، ج 2 ، ص 4 - 5 .