السعيد شنوقة
104
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
المسؤول المكلف من عدّهم التكليف فرعا عن العدل الإلهي ، ويمكن أن نفهم هذه الخلفية من تفسير الزمخشري لقوله تعالى : فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ الروم : 9 ] وهم عاد وثمود : « فما تدميره إياهم ظلما لهم لأن حاله منافية للظلم ، ولكنّهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم » « 1 » ، وإذا كان التكليف عندهم عقليا قبل أن يكون شرعيا « 2 » فإنه « إعلام الغير في أنّ له أن يفعل أو لا يفعل نفعا أو دفع ضرر مع مشقّة تلحقه في ذلك على حدّ لا يبلغ به حد الإلجاء ، ولا بد من هذه الشرائط حتى لو انخرم شرط منها فسد الحد » « 3 » يقيمونه على ما يصح السؤال عنه أو على إمكانية الفعل أو عدمه ، وعلى أن المشقة في الأمر لا ينبغي أن تصل إلى حدّ الإلجاء إذ لا يجوز أن تلغي إمكانية الاختيار وفعل الضدّين . ولا يصح أن يكون الفعل المكلف أداؤه أحادي الاتجاه أو واقعا على وجه واحد لا غير . ويعكس هذا الربط الواضح بين كون الإنسان مكلفا وكونه مسؤولا ، فلكي تصبح المسؤولية لا بدّ من إمكانية الاختيار وخلو فعل التكليف من أحادية الاتجاه . لقد دلّ فهمهم المسؤولية والتكليف في إطار العدل الإلهي على تحديد نظرتهم لحقيقة الوجود الإنساني وعلاقته بالخالق ، وعلى قولهم بالتلازم بين التكليف المسؤولية واستحقاق الحكم مقابل إمكانية فعل الواجب أو عدم فعله . ويمثل هذا جوهر المعنى الأخلاقي الذي لا يكون الفاعل فيه مسؤولا إلا عما تقرر فيه اختياره الحر حتى يستوجب ما يستحقه من ثواب أو عقاب « 4 » .
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 216 . ( 2 ) ذكر الشهرستاني للمردار أبي موسى عيسى بن صبيح ( توفي في حدود 226 ه ) قوله : « إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع » : الملل والنحل ، ج 1 ، ص 84 - 91 ، وقال الزمخشري في الآية 52 من سورة الشورى : « والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر ومن الصغائر التي فيها تنفير قبل المبعث وبعده ، فكيف لا يعصمون من الكفر ؟ قلت : الإيمان اسم يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل ، وبعضها الطريق إليه السمع ، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل ، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي » الكشاف . ( 3 ) القاضي عبد الجبار ، المجموع في المحيط بالتكليف ، تحقيق الأب يوسف هوين ، بيروت ، المطبعة الكائولوكية ، 1965 م ، ج 1 ، ص 1 . ( 4 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتلة ، ص 305 ، 306 .