اديب العلاف
255
البيان في علوم القرآن
الخالق القادر والمقتدر يقسم بآيات متتاليات يوضح فيها وضع وحال نوع من مخلوقاته . . وهي خيول الغزاة في أثناء جريها وعليها الغزاة لملاقاة الأعداء . . وهذه الآيات المقسم بها إنّما هي من الدقة والشمولية ما يجعلها صالحة لأن تكون موضوع قسم للإله العليم الخبير . . وقد أقسم بها جل جلاله ليظهر حقيقة في طبيعة الإنسان بصورة عامة . . وهي أنّه جحود بنعم ربه عليه . . كما أنّ اللّه تبارك وتعالى قد جعل نفس الإنسان تشهد عليه وذلك فيما يصدر عنه من أقوال وأفعال . . وإنّ هذا الإنسان لحب المال لشديد وكذلك فهو شديد أيضا في إنفاقه . سورة العصر بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ « 1 » [ العصر : 1 - 3 ] .
--> - الإنسان لربه لكنود : أي إنّ الإنسان بصورة عامّة لجحود وكفور بنعم ربه عليه . . لا يشكر خالقه ولا يحمده على ما أنعم عليه . . وهذا الأمر من طبيعة الإنسان . . وهذا جواب القسم أو المقسم عليه مع الآيات التي تليها . . ولكن عندما يدخل الإيمان الحقيقي في قلب الإنسان فإنّه لا شك يعترف بفضل اللّه عليه وبالتالي يحمد اللّه على ما أنعم عليه . وإنّه على ذلك لشهيد : أي وإنّ الإنسان على جحوده ليشهد على نفسه بما يدل عليه حاله من قول أو عمل . وإنّه لحب الخير لشديد : وإنّ الإنسان لشديد الحب لجمع المال . . وقيل لشديد في إنفاقه . . وسمي المال بالخير لأن المال إذا أنفق بالعدل والمعروف وعمل الخير فهو خير . . وكذلك فهو خير لأنه يعين الإنسان على الإنفاق على نفسه وعياله . . ولكن عندما يدخل الإيمان الحقيقي قلب الإنسان . . فإنّه ينفق المال فيما يجب عليه إنفاقه بالقدر الذي أمره اللّه به . . فلا تبذير ولا تقتير . . وكذلك ينفق المال فيما يرضي اللّه عز وجل وبالتالي فيما ينفع به نفسه . ( 1 ) والعصر : الواو واو القسم وهنا يقسم اللّه رب العالمين بالعصر أي بوقت العصر وهو من الزوال حتى الغروب وقيل بصلاة العصر وقيل بعصر النبوة وقيل بالدهر كله . إنّ -