اديب العلاف

63

البيان في علوم القرآن

التعبد في غار حراء قبل البعثة لقد كان محمد بن عبد الله يصعد جبل النور قبل نزول الوحي وهذا الجبل بالقرب من مكة المكرمة ليصل إلى قمة الجبل حيث يوجد غار حراء . . وفي هذا الغار كان يتحنث « 1 » الليالي الطوال ذوات العدد . . أي كان يتعبد اللّه في الليالي الطوال الكثيرة وعبادة اللّه كانت عنده في ذلك الوقت هي : في نظراته العميقة في ملكوت اللّه . . وفي تفكره الدائم في هذا الكون الواسع الذي يراه أمامه . . حيث السماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم . . وحيث الأرض وما فيها من جبال وسهول ووديان . . وما فيها أيضا من بحار وأنهار وما عليها من المخلوقات والكائنات . . وما تخرجه من زرع وشجر ونبات . . وأخيرا لا آخرا في هذا الكائن الحي الإنسان الذي يحمل سرا بين جنبيه يمكنه من القيام بكل أعماله . . هذا الإنسان الذي له حواس السمع والبصر والكلام في جسمه المنتصب . . والذي له العقل الذي يميزه عن سائر المخلوقات . . والذي أوجد اللّه في جسمه وما حواه روحا هي من أمر اللّه . . تكسبه الحياة طالما قدرت له هذه الحياة . . وتفقده الحياة طالما حان وقت أجلها . وكان محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في قرارة نفسه أنه لا بد لهذا الوجود كله من موجد عظيم . . وخالق قادر مقتدر قدير . . لا يمكن أن يكون من تلك الأحجار والأوثان التي كان يعبدها قومه من قريش . . وكيف تكون هذه الأحجار التي صنعها الإنسان بيديه هي التي يخضع لها هذا الإنسان ويقدسها ويمجدها . . وهكذا فقد أقر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بوجود خالق موجود في كل الوجود . .

--> ( 1 ) يتحنث : يتعبد .