محمد محمد أبو موسى

94

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

فليست هناك فائدة للمعرفة الغامضة ، ولا للمعرفة السطحية التي لا تلج العقل والقلب . وبهذا الرصيد الثقافي والنفسي يستطيع المفسر أن يضيء جوانب النص ، وأن ينبه إلى لطائفه . وقد أخذ نفسه بهذه الثقافة وأعدها للتفسير بهذه الأدوات ، ولذلك لم يكتب في هذا العلم الا بعد اكتماله ونضجه وهذا التراث الضخم الذي أشرنا اليه شاهد صدق على ذلك . وقد حاول الزمخشري قبل أن يكتب هذا التفسير الكامل أن يسود صحفا في هذا الباب يراها مثلا يحتذى في التفسير ولم يكن يقدر أنه سيكتب تفسيرا كاملا . وكانت هذه الصحف كأنها موسوعة قرآنية طال فيها القول وتشعبت فنونه ودارت حول سورة الفاتحة وبعض من سورة البقرة ، وقد وصف الزمخشري هذه الصحف بأنها مبسوطة ، كثيرة السؤال والجواب طويلة الذيول والأذناب . وقد أراد بهذا البسط وهذا الطول أن ينبه إلى ما يحتويه النص القرآن الكريم من علوم زاخرة وآداب جمة ومعارف عالية ، ولكنه رجع فأدرك أن البيئة الفكرية في زمانه لا تطيق هذه الموسوعة وأنها تحتاج إلى تفسير موجز يعينهم على فهم مذهبهم من القرآن الكريم فكتب تفسيره الذي بين أيدينا . والزمخشري يتهم في مقدمته أهل زمانه بالعجز عن فهم علم التفسير في أبسط صوره وهم أشد عجزا عن فهم التفسير المؤسس على علوم دقيقة كعلمي المعاني والبيان ، فإذا كان الزمخشري يكتب لشيعته من أهل العدل فكأنهم هم المخصصون بهذه التهمة . وليس هذا فان الزمخشري كان قلقا في خوارزم كما قدمنا . وكان يهجو أهلها ويغلظ في الهجاء ، وجميعهم من المعتزلة وقد شكا الامام عبد القاهر قبله من عجز هذه البيئة عن تذوق أسرار البيان العربي . ونرى أن ازدهار البحوث البلاغية في هذه البيئة الأعجمية يحتاج إلى دراسة جديدة وتفسير جديد ولا تكفى في بيانه مقالة ابن خلدون الشهيرة ، والتي رددها الباحثون في هذا العصر ، وليس المجال هنا مجال مناقشة واستقصاء في هذه المسألة .