محمد محمد أبو موسى
716
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
بالحق والباطل ، والدخول فيهما ، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره وظهور حجته ، وفرط استظهاره راكب لجواد يصرفه كيف شاء ، ويركضه حيث أراد ، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف « على » الدال على الاستعلاء بخلاف صاحب الباطل فإنه لفشله ، وضعف حاله ، كأنه ينغمس في ظلام ، وموضع سافل لا يدرى أين يتوجه ، ولا كيف يفعل ، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء إشارة إلى ما ذكرناه ، ويؤيد هذا ما ذكره اللّه تعالى في سورة يوسف حيث قال : « تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ » « 54 » . ثم يقول في الآية الثانية : « فهذه أصناف ثمانية جعل اللّه الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها ، ومستحقين لصرفها ، لكن اللّه تعالى خص المصارف الأربعة الأول باللام دلالة على الملك ، والأهلية للاستحقاق ، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر وما ذاك الا للايذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة ، وأعظم حاجة في الافتقار ، من حيث كانت « في » دالة على الوعاء ، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ، كما يوضع الشيء في الوعاء ، وأن يجعلوا مظنة لها ، وذلك لما في فك الرقاب ، وفي الغرم من الخلاص عن الرق والدين اللذين يشتملان على النقص ، وشغل القلب بالعبودية ، والغرم ، ثم تكرير الحرف في قوله « وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ » قرينة مرجحة له على الرقاب ، والغارمين ، وكان سياق الكلام يقتضى أن يقال : وفي الرقاب ، والغارمين ، وسبيل اللّه ، وابن السبيل ، فلما جئ ب « في » ثانية ، وفصل بها سبيل اللّه ، علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه ، وشيوعه لجميع القربات الشرعية والمصالح الدينية » « 55 » .
--> ( 54 ) يوسف : 95 ( 55 ) الطراز ج 2 ص 52 ، 54 ، 55 ، وينظر المثل السائر ج 2 ص 240 ، 241 ، والكشاف ج 3 ص 459 ، ج 2 ص 222