محمد محمد أبو موسى
717
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
الابهام والتفسير : ويأخذ العلوي من المثل السائر الفصل الخاص بالابهام والتفسير وتكاد لا تجد شيئا يمكن أن ينسب إلى العلوي في هذا الفصل . يقول العلوي : « اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة ، ويكسبه اعجابا وفخامة ، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الابهام ، فان السامع له يذهب في ابهامه كل مذهب ، ومصداق هذه المقالة ، قوله تعالى : « وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ » ثم فسره بقوله : « أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ » « 56 » . . . ففي ابهامه أول وهلة ، ثم تفسيره بعد ذلك ، تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه ، فإنه لو قال : وقضينا اليه أن دابر هؤلاء مقطوع . لم يكن فيه من الفخامة ، وارتفاع مكانه في الفصاحة ، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك ، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الابهام أولا يوقع السامع في حيرة ، وتفكر ، واستعظام لما قرع سمعه ، فلا تزال نفسه تنزع اليه ، وتشتاق إلى معرفته ، والاطلاع على كنه حقيقته ، ألا ترى أنك إذا قلت : هل أدلك على أكرم الناس أبا ، وأفضلهم فعلا وحسبا ، وأمضاهم عزيمة ، وأنفذهم رأيا ؟ ثم تقول : فلان ، فان هذا وأمثاله يكون أدخل في مدحته مما لو قلت : فلان الأكرم ، الأفضل ، الأنبل ، وما ذاك الا الأجل ابهامه أولا وتفسيره ثانيا . وكل ذلك يؤكد في نفسك عظم البلاغة في الكلام إذا أبهم أولا ثم فسر ثانيا » « 57 » . ويذكر في هذا الفصل قوله تعالى : « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » « 58 » ويقول فيها : « يريد بذلك الطريقة ، أو الحالة ، أو الخصلة ، إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة ، وأي شئ من هذه الأمور قدرته فإنك لا تجد له من البلاغة وان بالغت في الافصاح به
--> ( 56 ) الحجر : 66 ( 57 ) الطراز ج 2 ص 78 ، 79 ( 58 ) الاسراء : 9