محمد محمد أبو موسى
703
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ابن الأثير رد إلى عماية ، وقول ليس له حاصل ، ولا يدرك له نهاية ، وما عابه الا لأنه لم يطلع على أغواره ، ولا أحاط بكنهه ودقيق أسراره ، ولقد صدق من قال : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم « 15 » وقد ذكرت أن العلوي لم تكن له وقفات عند صور الالتفات ، يستوضح فيها أسراره ، وانما كان همه أن يبين موقع الالتفات في الكلام ، وذلك مثل قوله في قوله تعالى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » : « فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » ثم قال بعد ذلك : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » لأن ما تقدم من قوله : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » انما هو للغائب ، ولو أراد الخطاب لقال : الحمد لك لأنك أنت رب العالمين ، وبهذه الطريقة يتكلم في صور الالتفات ، وأقصى ما يقوله في فائدته أن ذلك كان للايقاظ والتنشيط كما ذكرنا . وكانت تحليلات الزمخشري التي نقلها ابن الأثير تروق العلوي فيذكرها في تحليل بعض صور الالتفات ، من ذلك قوله في الالتفات من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع في قوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ، كَذلِكَ النُّشُورُ » « 16 » يقول العلوي : « فوسط قوله « فَتُثِيرُ سَحاباً » ، وجاء به على جهة المضارع ، والاستقبال بين فعلين ماضيين ، وهما قوله : « أَرْسَلَ » و « فَسُقْناهُ » ، والسر في مثل هذا هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الانسان يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف لأنه لا يعطى هذا المعنى ، ولا يدل عليه ، فإذا قال : « فَتُثِيرُ » على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله « أَرْسَلَ » فإنما يكون دالا على حكاية الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب ، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ، وكذلك
--> ( 15 ) الطراز ج 2 ص 133 ، 134 ، 135 . ( 16 ) فاطر : 9