محمد محمد أبو موسى
660
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
الحروف الجارة : وليس لابن الأثير في دراسة حروف الجر جهد الا الشرح والاستنباط من كلام الزمخشري . يقول ابن الأثير : « وأما حروف الجر فان الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها ، وقد علم أن « في » للوعاء . و « على » للاستعلاء كقولهم : زيد في الدار وعمرو على الفرس ، لكن إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن الأولى ، فمما ورد منه قوله تعالى : « قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، قُلِ اللَّهُ ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 87 » ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفى الجر هاهنا ، فإنه انما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعمل على فرس جواد يركض به حيث شاء ، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدرى أين يتوجه ، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام . . . ومن هذا النوع قوله تعالى : « إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ » « 88 » فإنه انما عدل عن اللام إلى « في » في الثلاثة الأخيرة للايذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن « في » للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص ، وتكرير « في » في قوله : « وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ » دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين . . وهذه لطائف ودقائق لا توجد الا في هذا الكلام الشريف فاعرفها وقس عليها » « 89 » وهذا أهم ما ذكره في هذا النوع وهو مأخوذ من الكشاف « 90 » .
--> ( 87 ) سبأ : 24 ( 88 ) التوبة : 60 ( 89 ) المثل السائر ج 2 ص 240 ، 241 ، 242 ( 90 ) وينظر الكشاف ج 3 ص 459 ، ج 2 ص 222