محمد محمد أبو موسى
644
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
أما الضرب الثاني من عطف المستقبل على الماضي فإنه يراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض ، وقد ذكر ابن الأثير شواهده من تحليلات الزمخشري في الكشاف من ذلك قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » . يقول ابن الأثير : « ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي هاهنا إلى المستقبل ، فقال : « فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » ولم يقل : فأصبحت عطفا على « أنزل » ، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان فانزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض ، وهذا كما نقول : أنعم علىّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له ، ولو قلت : فرحت وغدوت شاكرا له ، لم يقع ذلك الموقع لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى ، وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل » « 25 » . ولست أدرى لما ذا كان هذا القسم غير بلاغى ؟ أليست البلاغة نظرا فيما تنطوى عليه خصائص الألفاظ وأحوالها لابراز معانيها وبيان لطائفها ومطابقتها لسياق الكلام ؟ وأليس هذا داخلا في أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال ؟ وأليس هذا موضعا حسنا ينبغي أن يتأمل كما يقول ؟ الحق أن عبد القاهر الجرجاني قد أصاب حين جعل ادراك الخطأ الخفي الذي لا ينتبه اليه الا الخاصة من المثقفين من صميم علوم البلاغة ومن صميم لطائفها وأسرارها ، وقد ذكر في هذا بيت المتنبي : عجبا له حفظ العنان بأنمل * ما حفظها الأشياء من عاداتها وقال فيه : « مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا ولا يقع لنا أن فيه خطأ ، ثم بان بآخره أنه قد أخطأ ، وذلك أنه كان ينبغي أن يقول : ما حفظ الأشياء من عاداتها ، فيضيف المصدر إلى المفعول فلا يذكر الفاعل ، ذلك لأن المعنى على أنه ينفى الحفظ عن أنامله جملة
--> ( 25 ) المثل السائر ج 2 ص 189 وينظر الكشاف ج 3 ص 132 - والآية من سورة الحج : 63