محمد محمد أبو موسى
645
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا واضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله « ما حفظها الأشياء » يقتضى أن يكون قد أثبت لها حفظا ، ونظير هذا أنك تقول : ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادتي ، ولا تقول : ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي » « 26 » . ومن الالتفات الاخبار بالفعل الماضي عن المستقبل والغرض منه توكيد تحقق الفعل وايجاده ومنه قوله تعالى : « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ » « 27 » . يقول ابن الأثير : « فإنه انما قال « فَفَزِعَ » بلفظ الماضي بعد قوله « يُنْفَخُ » وهو مستقبل للاشعار بتحقق الفزع ، وأنه كائن لا محالة لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به ، وكذلك جاء قوله تعالى : « وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً » « 28 » وانما قيل « وَحَشَرْناهُمْ » ماضيا بعد « نُسَيِّرُ » و « وَتَرَى » وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال ، كأنه قال « وَحَشَرْناهُمْ » قبل ذلك لأن الحشر هو المهم ، لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم ، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي . ومما يجرى هذا المجرى الاخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل ، وانما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي ، وقد سبق الكلام عليه ، فمن ذلك قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » « 29 » . فإنه انما أوثر اسم المفعول الذي هو « مجموع » على الفعل المستقبل الذي هو « يجمع » لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنه الموصوف بهذه الصفة ، وان شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى : « يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ » « 30 » فإنك تعثر على صحة ما قلت » « 31 » .
--> ( 26 ) دلائل الاعجاز ص 346 ، 347 ( 27 ) النمل : 87 ( 28 ) الكهف : 47 ( 29 ) هود : 103 ( 30 ) التغابن : 9 ( 31 ) المثل السائر ج 1 ص 190 ، 191 ، وينظر الكشاف ج 3 ص 304 ، ج 2 ص 567 ، 334