محمد محمد أبو موسى
621
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد أشرت في دراسة ألوان البديع عند الزمخشري إلى تأثر الخطيب بهذه الدراسة وافادته منها إفادة كثيرة ، وكان هذا من أهم ما أكدت به اهتمام الزمخشري بدراسة ألوان البديع ، وأنه لم يغفلها ، ولم تكن عنده محسنا عرضيا كما ذكر الدارسين ، ونذكر هنا صورا ونماذج من هذا الأخذ البين لنؤكد به تأثر الخطيب ببحث الكشاف في علوم البلاغة الثلاثة . يقول الخطيب في المشاكلة : « ومنه قول أبى تمام : من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أنّى بنيت الجار قبل المنزل وشهد رجل عند شريح فقال : انك لسبط الشهادة ، فقال الرجل : انها لم تجعد عنى ، فالذي سوّغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة ، ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ، ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها . . وأما الثاني - أي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تقديرا - فكقوله تعالى : « صِبْغَةَ اللَّهِ » « 87 » وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله : « آمَنَّا بِاللَّهِ » ، والمعنى تطهير اللّه ، لأن الايمان يطهر النفوس ، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : آمنا باللّه وصبغنا اللّه بالايمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا ، أو يقول المسلمون : صبغنا اللّه بالايمان صبغة ولم نصبغ صبغتكم ، وجئ بلفظ الصبغة للمشاكلة ، وان لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ ، لأن قرينة الحال التي هي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر دلت على ذلك ، كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرام » « 88 » . ويقول في التوجيه : « وعليه قوله تعالى : « وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا » « 89 » قال الزمخشري : « غير مسمع : حال من المخاطب ، أي اسمع وأنت غير مسمع
--> ( 87 ) البقرة : 138 ( 88 ) بغية الايضاح ج 4 ص 24 ( 89 ) النساء : 46