محمد محمد أبو موسى
605
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد أشرت إلى هذا في دراسة التوكيد في الباب الأول « 10 » . ويذكر تفسير المسند اليه ويشير إلى قوله تعالى : « لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ، إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ » « 11 » ، ويقول : « شفع الهين باثنين والها بواحد ، لأن لفظ « إِلهَيْنِ » يحتمل معنى الجنسية ، ومعنى التثنية ، وكذلك لفظ « اله » يحتمل الجنسية ، والوحدة ، والذي له الكلام مسوق هو العدد في الأول ، والوحدة في الثاني ، ففسر الهين باثنين ، والها بواحد ، بيانا لما هو الأصل في الغرض ، ومن هذا الباب من وجه قوله تعالى : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ » « 12 » ذكر « فِي الْأَرْضِ » مع « دَابَّةٍ » و « يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ » مع « طائِرٍ » لبيان أن القصد من لفظ « دَابَّةٍ » ولفظ « طائِرٍ » انما هو إلى الجنسين وإلى تقريرهما » « 13 » . ويقول : « والتخصيص لازم للتقديم غالبا ولذلك نسمع أئمة علم المعاني في معنى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » يقولون : نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك ، ونخصك بالاستعانة منك لا نستعين أحدا سواك ، وفي معنى : « إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » « 14 » يقولون : ان كنتم تخصونه بالعبادة ، وفي معنى قوله : « وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » « 15 » ، نذهب إلى أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب فيما يقولون أنها لا يدخل الجنة فيها الا من كان هودا أو نصارى ، وأنها لا تمسهم النار فيها الا أياما معدودات ، وأن أهل الجنة فيها لا يتلذذون في الجنة الا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ، ليست بالآخرة وايقانهم بمثلها ليس من الايقان بالتي هي الآخرة عند اللّه في شئ . . . . وفي قوله تعالى : « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » « 16 » يقولون : أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت ثانيا لأن
--> ( 10 ) ينظر هذا البحث ص 413 وما بعدها . ( 11 ) النحل : 51 ( 12 ) الأنعام : 38 ( 13 ) المفتاح ص 101 ، 102 ، وينظر الكشاف ج 2 ص 71 ( 14 ) البقرة : 172 ( 15 ) البقرة : 4 ( 16 ) البقرة : 143