محمد محمد أبو موسى

602

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وإذا حاول أبو يعقوب بيان مواقع الالتفات ، وكشف قيمتها الفنية في النصوص الأدبية وجدته بين حالين ، حال يكون فيها مجيدا في الكشف والتحليل عن موقع هذه الطريقة ، وذلك إذا كان يصدر عن تأثر بصاحب الكشاف ، اما لأنه سبقه ببيان الالتفات في هذا النص ولطف موقعه ، واما لأنه - أي السكاكى - جرى فيه على طريقة الزمخشري في نص آخر . وحال لا يكون فيها مجيدا ولا قريبا من الإجادة وذلك إذا اعتمد على مقدرته الأدبية ، واستقل بفهمه وذوقه ، فإنه في كثير من هذه الحالات يحوم ولا يقع على شئ يعتد به . مثاله في الحال الأولى ما يقوله في قوله تعالى : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » « 3 » : « أليس مما يشهد له الوجدان بحيث يغنيه عن شهادة ما سواه أن المرء إذا أخذ في استحضار جنايات جان منتقلا فيها عن الاجمال إلى التفصيل وجد من نفسه تفاوتا في الحال بينا لا يكاد يشبه آخر حاله هناك أولها ، أو ما تراك إذا كنت في حديث مع انسان وقد حضر مجلسكما من له جنايات في حقك كيف تصنع ؟ تحول عن الجاني وجهك ، وتأخذ في الشكاية عنه إلى صاحبك تبثه الشكوى معددا جناياته واحدة فواحدة ، وأنت فيما بين ذلك واجد مزاجك يحمى على تزايد يحرك حالة لك غضبية تدعوك إلى أن تواثب ذلك الجاني ، وتشافهه بكل سوء ، وأنت لا تجيب ، إلى أن تغلب فتقطع الحديث مع الصاحب ، ومباحثتك إياه ، وترجع إلى الجاني شافها له : باللّه قل لي : هل عامل أحد مثل هذه المعاملة ، هل يتصور معاملة أسوأ مما فعلت ، أما كان لك حياء يمنعك ، أما كانت لك مروءة تردعك على هذا ؟ . وإذا كان الحاضر لمجلسكما ذا نعم عليك كثيرة فإذا أخذت في تعديد نعمة عند صاحبك مستحضرا لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالاقبال على منعمك ، وتزين لك ذلك ، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نعمه حتى تحملك من حيث لا تدرى على أن تجدك وأنت معه في الكلام تثنى عليه ، وتدعو له ،

--> ( 3 ) الفاتحة : 5