محمد محمد أبو موسى

603

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وتقول : بأي لسان أشكر صنائعك الروائع ، وبأية عبارة أحصر عوارفك الذوارف ، وما جرى ذلك المجرى » « 4 » . وقد ذكر الزمخشري مثل هذا في مواطن كثيرة من الكشاف وقد بيناها في دراسة الالتفات ، ومثاله في الحال الثانية ما يقوله في أبيات امرئ القيس السابقة بعد ما نوه بمكانة الشاعر وفحولته : « وكان يمكنه ألا يلتفت البتة ، وذلك أن يسوق الكلام على الحكاية في الأبيات الثلاثة ، فيقول : تطاول ليلى بالأثمد ونام الخلي ولم أرقد ، وبت وبات لنا ليلة ، كقول لبيد : « فوقفت أسألها وكيف سؤالنا » أو أن يلتفت نوعا واحدا ، فيقول : وبت وبات لكم ، وذلك من نبأ جاءكم ، وخبرتم عن أبي الأسود . أن يكون حين قصد تهويل الخطب واستفظاعه في النبأ الموجع ، والخبر المفجع للواقع الفات في العضد ، المحرق للقلب والكبد ، فعل ذلك منبها في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثكلى ، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي الا بتفجع الملوك وتحزنهم عليه ، وأخذ يخاطبه بتطاول ليلك تسلية ، أو نبه على أن نفسه لفظاعة شأن النبأ واستشعارها معه كمدا وارتماضا أبدت قلقا لا يقلقه كمد ، وضجرا لا يضجره مرتمض ، وكان من حقها أن تثبت وتتصبر ، فعل الملوك وجريا على سننها المسلوك عند طوارق النوائب وبوارق المصائب فحين لم تفعل شككته في أنها نفسه ، فأقامها مقام مكروب ذي حرق ، قائلا له : تطاول ليلك ، مسليا . وفي التفاته الثاني على أن المتحزن تحزن تحزّن صدق ، ولذلك لا يتفاوت الحال خاطبتك أم لم أخاطبك ، وفي التفاته الثالث على أن جميع ذلك انما كان لما خصه ولم يتعداه إلى من سواه » . وهكذا تدور النكتة البلاغية للالتفات في هذه الأبيات حول مكانة الشاعر الاجتماعية ، إذ أنه ملك وتفجع الملوك تفجع له شأنه ، وقلق نفوسهم لا يكون الا لأمر خطير ، ولو كان شاعرنا غير ملك لما كان لهذا

--> ( 4 ) المفتاح ص 109