محمد محمد أبو موسى

572

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

أو الاسناد الحكمي ، وبذلك كان الزمخشري أول من ميز بين هذين العلمين فجعل لكل منهما مباحثه الخاصة ، واستقلاله الذي يشخصه ، ونقل عن السيد الجرجاني لأنه لم يكن يعد البديع علما مستقلا ، بل كان يراه ذيلا لعلمي المعاني والبيان ، وسنرى السكاكى يتأثر به في ذلك ، وكأنه هو الذي ميز لأول مرة بين علوم البلاغة الثلاثة ، وان كنا سنجد بينهما شيئا من التداخل في الحين بعد الحين » « 5 » . ويقول في موضع آخر : « رأينا المتكلمين في القرن الخامس من الباقلاني إلى عبد القاهر ينحون البديع عن مباحث أسرار البلاغة في الذكر الحكيم ، وقد مضى عبد القاهر يكتشف نظرية المعاني ويضع نظرية البيان بمتشابكاتها الكثيرة ، وعرض في تضاعيفها للسجع ، والجناس ، وحسن التعليل ، والطباق ، ولكنه لم يعن بعد ذلك بتفصيل القول في ألوان البديع ، إذ كان يرى - كما رأى المتكلمون من قبله - أنه لا يدخل في قضية الاعجاز القرآني لأن كثيرا من ألوانه مستحدث ، وما جاء في القرآن انما جاء دون تأت له وتكلف ، ومضى الزمخشري على هذا الهدى لا يعنى بما جاء في الآيات الكريمة من بديع الا عرضا ، ونرى السيد الجرجاني ينقل عنه - كما مر بنا - أنه لم يكن يعد البديع علما مستقلا من علوم البلاغة انما كان يعده ذيلا متمما لها . وتتمة تحمل عليها ، وكانت هذه النظرة إلى البديع سببا في أن لا يطيل النظر في ألوانه القرآنية ، وأن لا يلم بها الا في الحين البعيد بعد الحين ، وإذا ألم بها مسها في خفة » « 6 » . ويقول الأستاذ الدكتور الحوفى وهو الذي كتب كتابه بعد الأولين : « والحق أن الجرجاني كان يريد بالنظم علم المعاني - أي الأسلوب - وكان قد ردد في كتابه أسرار البلاغة كلمة « البيان » فجاء الزمخشري وأطلق علم المعاني وعلم البيان على ما يطلقان عليه اليوم . ولهذا فصل العلمين بعضها عن الآخر .

--> ( 5 ) البلاغة تطور وتاريخ ص 221 ، 222 ( 6 ) المرجع السابق ص 265