محمد محمد أبو موسى
566
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
اللّه تعالى ، وايثارهم ذلك على الدعة والخفض وكره ذلك المنافقون ، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الايمان ودواعي الايقان » ( الكشاف ج 2 ص 232 ) . ويقول في قوله تعالى : « لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ » « 363 » : « وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها ، وبه في خيانته أمانة اللّه حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه » « 364 » وبالتأمل في هذه النصوص نلحظ أن في سياقها أحوالا موحية بالمعاني التعريضية ، فإذا كانت الآية تسم الذي يكتم شهادة اللّه بأشد الظلم ، فان هناك نفرا من أهل الكتاب عرفوا شهادة اللّه لمحمد عليه الصلاة والسلام في كتبهم ثم كتموها . وإذا كانت الآية تصف اعراض اللّه عن الكافرين ، فهناك مؤمنون يأملون اقبال اللّه عليهم . وإذا كان هناك من كره أن يجاهد بنفسه ، فان هناك من جاهد . وإذا كان هناك من صدق فان هناك من كذب ، وهكذا كانت المقامات والأحوال ملهمة المعاني التعريضية . وقد ذكر الزمخشري نوعا من التعريض لا أحسب أنه يختلف عن التعريض المذكور في هذه النصوص . وذلك هو ما يعرض به المخاطب ليقى نفسه الوقوع في الكذب ، أو هو الكلام الذي يذكره المتكلم وهو صادق ليشغل به مخاطبه عن شئ لا يريد المتكلم من مخاطبه أن يتجه اليه ، كما في قول موسى عليه السلام فيما حكاه القرآن : « لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ » « 365 » « فقد أخرج الكلام في معرض النهى عن المؤاخذة بالنسيان ليوهم أنه قد نسي بسطا لعذره في الانكار » .
--> ( 363 ) يوسف : 52 ( 364 ) الكشاف ج 2 ص 74 . ( 365 ) الكهف : 73