محمد محمد أبو موسى

48

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

الأكبر في بحث البلاغة القرآنية كان يرتكز على خبرة بأحوال النفس وشؤونها . ولا أزعم أن هذه الإشارات تفي الغرض في هذا الباب لأنه باب مهم وخصيب ، كما لا أزعم أن إشاراته الأخرى في الموضوعات المختلفة تكشف كل زوايا الموضوعات التي أشرت إليها ، وانما أؤكد أن هذه الإشارات تصلح أن تكون أسسا قوية غير مفتعلة لكل دراسة جادة تعنى بهذا الموضوع أو ذاك ، خذ مثلا لذلك حديثه عن الترتيب النفسي للآيات في قوله تعالى : « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ » « 11 » . يقول الزمخشري : « فان قلت : هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله : « لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي » ولم يفصل بينهما بآية ؟ قلت : لا يخلو اما أن يقدم على أخرى القرائن فيفرق بينهن ، واما أن تؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ، وأما الثاني فلما فيه من النقض بين الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه ، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ، ثم أجاب عن بعضها على ما اقتضى الجواب » واقرأ قوله في تفسير قيد الجملة في قوله تعالى في عدة المطلقة : « وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ » « 12 » يقول كاشفا ما تنطوى عليه نفوس النساء من الرغبة الجموح في الرجل والجنس ومفسرا هذا القيد في ظل هذا الفهم : « في ذكر الأنفس تهيج لهن على التربص وزيادة بعث لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص » .

--> ( 11 ) الزمر : 56 - 59 ( 12 ) البقرة : 228