محمد محمد أبو موسى
479
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض ، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك ، فتشبهها بنظائرها ، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن ، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت ، وتلاصقت ، حتى عادت شيئا واحدا ، بأخرى مثلها كقوله تعالى : « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ » « 16 » الآية ، الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة ، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة ، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار ، لا يشعر من ذلك الا بما يمر بدفيه من الكد والتعب ، وكقوله تعالى : « وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ » « 17 » المراد : قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر ، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا « فلا » فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالاتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة ، شبهت حيرتهم ، وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره ، بعد ايقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق » « 18 » . التمثيل والتشبيه : ذكر الناس أن الزمخشري لم يفرق بين التشبيه والتمثيل بخلاف عبد القاهر الذي أجهد نفسه في بيان التمثيل وتمييزه من التشبيه الصريح ، وتبعه الرازي والسكاكى والخطيب كلهم يفرقون بين التمثيل والتشبيه الصريح وان اختلفوا في التحديد ، والزمخشري وتبعه ابن الأثير لم يفرق بينهما ، وللتمثيل مدلولات كثيرة في بلاغة الكشاف وهي أقرب إلى الاستعمال اللغوي فهو يطلقه على التشبيه ، وعلى الاستعارة التمثيلية ، وعلى الاستعارة في المفرد ، وعلى فرض المعاني .
--> ( 16 ) الجمعة : 5 ( 17 ) الكهف : 45 ( 18 ) الكشاف ج 1 ص 80 ، 81