محمد محمد أبو موسى

480

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وقد عنيت ببيان رأيه في التشبيه والتمثيل ليتحقق عندي ما ذكره الناس من أنه لا يفرق بينهما ، وكان الذي يثبت هذا هو أن أراه قد أطلق اصطلاح التمثيل على صورة أو صور اتفق على أنها من التشبيه الصريح ، ولا يكفى أن يقول : ان المثل والمثل والمثيل كالشبه والشبه والشبيه . لأن هذه تفسيرات لغوية لا تدل على مفهوم اصطلاح معين ، وقد تسامح أكثر البلاغيين حينما ساقوا مثل هذا القول دليلا على أن التشبيه والتمثيل عنده سواء ، ولا يكفى كذلك أن يطلق التشبيه على صور التمثيل لعموم التشبيه عند من يفرق بينهما . وقد قال الزمخشري في قوله تعالى : « إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » « 19 » : « فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وتمثيل أصواتهم بالنهاق ، ثم اخلاء الكلام من لفظ التشبيه ، واخراجه مخرج الاستعارة وان جعلوا حميرا وصوتهم نهاقا ، مبالغة شديدة في الذم والتهجين ، وافراط في التثبيط عن رفع الصوت . وتشبيه الأصوات بالنهاق تشبيه صريح ، ولكن الزمخشري سماه تمثيلا ، وذلك لأنه - كما قالوا - لا يفرق بينهما ، ولست أعتقد أن هناك دليلا واضحا على صحة هذه الدعوى - أعنى عدم التفريق بينهما - الا كلامه في هذه الآية فذلك هو الدليل الذي لا يتطرق اليه الاحتمال . وهذه المسألة مسألة اصطلاحية هينة لا تتصل بأساس من أسس العلم ولذلك نجد الذين يفرقون بين التشبيه والتمثيل يختلفون في وجه الفرق فما كان تمثيلا عند أحدهم لا يكون تمثيلا عند غيره ، ولا ضير على البلاغة في هذا الاتفاق أو الاختلاف .

--> ( 19 ) لقمان : 19