محمد محمد أبو موسى
478
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
واتسموا به من سمة النفاق ، والأوجه أن يراد الطبع ، لقوله : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ » ، وفي الآية تفسير آخر ، وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات » ( الكشاف ج 1 ص 57 ) . ويقول في الصورة الثانية : « فان قلت : قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا ، واظهاره الايمان بالإضاءة ، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار ، فلما ذا شبه بالتمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد والبرق وبالصواعق ؟ قلت : لقائل أن يقول : شبه دين الاسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق ، وما يصيب الكفار من الافزاع ، والبلايا ، والفتن ، من جهة أهل الاسلام بالصواعق ، والمعنى : أو كمثل ذوى صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا . فان قلت : هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات ؟ وهلا صرح به كما في قوله تعالى : « وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ » « 13 » ، وفي قول امرئ القيس : كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي قلت : كما جاء صريحا فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة كقوله تعالى : « وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ » « 14 » ، « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ » « 15 » ، والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف الواحد واحد شئ يقدر شبهه به ، وهو القول الفحل والمذهب الجزل ،
--> ( 13 ) غافر : 58 ( 14 ) فاطر : 12 ( 15 ) الزمر : 29