محمد محمد أبو موسى

466

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وأن هذا البحث أيضا هو أكبر وظائف النقد الأدبي ، على أن بعض الدارسين يحصر مهمة النقد في هذه الوظيفة إذ جعل الواجب الرئيسي للناقد هو العرض « 140 » . والزمخشري في تفسيره للنصوص يستصحب مقاييس عرفتها الدراسة البلاغية قبله ، من ذلك أن أمارات التفوق في الأسلوب أن يكون الكلام متماسكا أشد التماسك مرتبطا قوى ارتباط كأنه بناء متين يشد بعضه بعضا . يقول في قوله تعالى : « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ . وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ » « 141 » يقول الزمخشري : « صُنْعَ اللَّهِ » : من المصادر المؤكدة كقوله : « وَعَدَ اللَّهُ » و « صِبْغَةَ اللَّهِ » الا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل « يَوْمَ يُنْفَخُ » ، والمعنى ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب اللّه المحسنين وعاقب المجرمين ، ثم قال : « صُنْعَ اللَّهِ » يريد الإنابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال : « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » يعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة احكامه للأشياء واتقانه لها واجرائه لها على قضايا الحكمة ، انه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك ، ثم لخص ذلك بقوله : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ » إلى آخر الآيتين ، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه ، وترتيبه ، ومكانة اضماده ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ افراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى ، وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادى على

--> ( 140 ) النقد الأدبي للأستاذ المرحوم أحمد أمين ص 380 ( 141 ) النمل : 87 - 90