محمد محمد أبو موسى
436
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
أَنْفُسِهِمْ » « 18 » : « واللام جواب قسم محذوف ، وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية ، وفي أسلوبها قول القائل : وجارة جسّاس أبانا بنابها * كليبا غلت ناب كليب بواؤها وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب ، ألا ترى أن المعنى : ما أشد استكبارهم ، وما أكبر عتوهم ، وما أغلى نابا بواؤها كليب » « 19 » . ثم إن هذا الاستئناف قد يكون تعليلا للكلام السابق وفي هذا التعليل توكيد له وتقرير ، ويكون هذا النوع تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث ، وتارة بإعادة صفته ، يقول في قوله تعالى : « ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ » « 20 » : « أُولئِكَ عَلى هُدىً » الجملة في محل الرفع ان كان « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » مبتدأ ، والا فلا محل له . . ونظم الكلام على الوجهين أنك إذا نويت الابتداء ب « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » ، فقد ذهبت به مذهب الاستئناف ، وذلك أنه لما قيل « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » ، واختص المتقون بأن الكتاب لهم هدى ، اتجه لسائل أن يسأل فيقول : ما بال المتقين مخصوصين بذلك ؟ ، فوقع قوله « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدر ، وجئ بصفة المتقين المنطوية عليهم خصائصهم التي استوجبوا بها من اللّه أن يلطف بهم ، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم ، أي الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم اللّه ويعطيهم الفلاح ، ونظيره قولك : أحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأنصار ، الذين قارعوا دونه ، وكشفوا الكرب عن وجهه ، أولئك أهل للمحبة . وان جعلته تابعا ل « المتقين » وقع الاستئناف على « أولئك »
--> ( 18 ) الفرقان : 21 ( 19 ) الكشاف ج 3 ص 215 ، 216 ( 20 ) البقرة : 1 - 5