محمد محمد أبو موسى
431
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يقول في قوله تعالى : « وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ » « 1 » : « فان قلت : أي فرق بين ادخال الفاء ونزعها في « سَوْفَ تَعْلَمُونَ » ؟ قلت : ادخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، ونزعها وصل خفى تقديرى بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر ، كأنهم قالوا : فما ذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا ، وعملت أنت ، فقال : « سَوْفَ تَعْلَمُونَ » فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب . وأقوى الوصلين ، وأبلغهما الاستئناف ، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه » « 2 » . والواو تقع بين الجملتين لتفصل بين معنييهما فتكون كل واحدة ذات معنى مستقل عن الآخر ومتميز عنه ، فإذا تكررت الجملتان في مقام آخر وسقطت هذه الواو كان الكلام كلاما واحدا يقرر بعضه بعضا . يقول في قوله تعالى : « قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا » « 3 » : « فان قلت : هل اختلف المعنى بادخال الواو هنا ، وتركها في قصة ثمود ؟ قلت : إذا أدخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم . التسحير والبشرية ، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا ، ولا يجوز أن يكون بشرا ، وإذا تركت فلم يقصد الا معنى واحد وهو كونه مسحرا ، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم » « 4 » . والواو في المقاولات تشير أيضا إلى التميز بين المعنيين ليوازن السامع بينهما ويدرك ما في كل من الصواب والخطأ ، فإذا سقطت الواو كان الكلام على الاستئناف ، وهو كلام واحد يتولد بعضه من بعض .
--> ( 1 ) هود : 93 ( 2 ) الكشاف ج 2 ص 231 ، 232 ( 3 ) الشعراء : 185 ، 186 ( 4 ) الكشاف ج 3 ص 262