محمد محمد أبو موسى
415
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
بالثالث ، ولعل الزمخشري يقصد بكونه ابتداء اخبار أنهم بدءوهم بالحديث بأنهم مرسلون إليهم ولم تكن بينهم محاورة بخلاف مقام الخطاب الثاني فإنه كان مقام تحاور ومحاجة وانكار ، وهذا لا ينافي أن يكونوا مع الأول منكرين . ومن دواعي التوكيد إماطة الشبهة لغرابة الخبر وحاجته إلى التقرير والتحقيق يقول في قوله تعالى : « فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » « 463 » : « تكرير الضمير في « إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة » « 464 » وقد يكون التوكيد مظهرا لتعلق النفس بالخبر واهتمامها به ، وأنه جدير عندها بالتقوية والتقرير ، وأن المخاطب متقبل له ، غير منكر ، ولا مدافع ، كما أن ارسال الكلام غفلا من التأكيد لأن النفس غير متعلقة به ، ولا صادقة الرغبة فيه ، وأن المخاطب ينكره انكارا لا ينفع معه أبلغ صور التوكيد . يقول في قوله تعالى : « وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ » « 465 » : « فان قلت : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة ب « ان » ؟ قلت : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين ، وأوكدهما ، لأنهم في ادعاء حدوث الايمان منهم ونشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الايمان غير مشقوق فيه غبارهم ، وذلك اما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه ، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك ، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد ، واما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة ، وكيف يقولون ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل ، ألا ترى حكاية اللّه قول المؤمنين : « رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا » « 466 » ، وأما مخاطبة اخوانهم فهم فيما
--> ( 463 ) طه : 11 ، 12 ( 464 ) الكشاف ج 3 ص 42 . ( 465 ) البقرة : 14 ( 466 ) آل عمران : 16