محمد محمد أبو موسى

416

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزالوا عنه عن صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به ، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد » « 467 » وقد يكون التوكيد لمواجهة تطلعات النفس وحسم آمالها ، وأطماعها كما في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً » « 468 » : « فان قلت : قوله : « وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً » ، وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه ؟ قلت : الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية ، وقد انضم إلى ذلك قوله « هو » وقوله « مولود » والسبب في مجيئه على هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي ، فأريد حسم أطماعهم ، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة ، وأن يغنوا عنهم من اللّه شيئا ، فلذلك جئ به على الطريق الآكد » « 469 » وقد يكون التوكيد لتقرير وعد اللّه وتثبيته حتى تزداد النفوس اطمئنانا اليه ووثوقا فيه ، فلا تلتفت إلى أماني الشيطان ووعده لأوليائه ، يقول في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا » « 470 » : « وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا » مصدران ، الأول مؤكد لنفسه ، والثاني مؤكد لغيره ، « وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا » ، توكيد ثالث بليغ . فان قلت : ما فائدة هذه التوكيدات ؟ قلت : معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة ، وأمانيه الباطلة لقرنائه ، بوعد اللّه الصادق لأوليائه ، ترغيبا للعباد في إيتاء ما يستحقون به تنجيز وعد اللّه على ما يتجرعون عاقبته غصص اخلاف مواعيد الشيطان » « 471 »

--> ( 467 ) الكشاف ج 1 ص 50 . ( 468 ) لقمان : 33 ( 469 ) الكشاف ج 3 ص 398 . ( 470 ) النساء : 122 ( 471 ) الكشاف ج 1 ص 440 .