محمد محمد أبو موسى

39

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

الثلاثين ، ثم انصرف إلى العلم طلبا للحظوة ونيل ما عند السلاطين . وله حكاية مشهورة في هذا ، ودراستنا لثقافته تفيدنا أنه لم يتوفر على درس اللغة والأدب ، ولم تتح له ظروف حياته الادمان ، والممارسة ، والمعايشة ، حتى يتهيأ له اكتساب ذوق هذه اللغة ، وان أتاحت له أن يحفظ قدرا من قواعدها ، لأننا نعتقد أن اكتساب الذوق يأتي متأخرا بالنسبة للإحاطة بالأصول والقواعد ، فهو محتاج إلى جهد أكثر ، ومثابرة أطول . وبجانب هذا كان السكاكى يحفظ أخلاطا من المعارف الغامضة والشاذة ، فقد كان أعلم الناس بالسحر في زمانه ، وكان يستنزل الكواكب من أفلاكها كما يقول المؤرخون . ولا شك أن من أهم ما أغرى الدارسين بكتاب السكاكى هو سهولته ، لأن المسائل البلاغية التي لا تعتمد الا على العقل يسهل تحصيلها والإحاطة بها ، وصعوبة هذا الكتاب تتركز في عبارته وأسلوبه المعقد الغامض ، أما مادته العلمية فما أسهلها ولذلك حفظها الصبيان لما شذبها الخطيب في كتاب التلخيص ، وان كانت لا تغنى فتيلا في ادراك العلم وفقه أسراره . وكان غبنا للبلاغة والبلاغيين أن يستمر الدرس البلاغي على هذا المنهج حتى هذا الوقت الذي نعيش فيه . وقد اعتمده الأستاذ المرحوم أمين الخولي حين قارن بين دراستنا لبلاغتنا ودراسة أمم الغرب لبلاغتهم في المنهج والموضوع ، ورأى لبلاغتنا وجها شاحبا معروقا ، وهو على حق ما دام ينظر إليها من هذا الوجه . ولما كان درس البلاغة العربية لم يستقم على منهج صحيح وطريقة أقرب إلى الكمال ، الا في دراسة الشيخين . وكانت بلاغة الزمخشري كأنها تائهة في تفسيره لا تظهر ملامحها محددة واضحة في كل مسألة من المسائل البلاغية عمدت في هذا البحث إلى بيانها وتوضيحها ، حتى يرى الدارسون كل ما قاله الزمخشري في كل مسألة من المسائل البلاغية . وفي ضوء هذا يتحدد ما أضافه من أصول في هذه الدراسة ، وما أفاده من غيره ثم ما أفاده غيره منه .