محمد محمد أبو موسى

367

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والعدول هنا يعنى الزيادة والتعميم عما يتطلبه السؤال . ومثل هذا جواب إبليس حينما سأله الباري قائلا : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ، قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » « 223 » « فإنه ذكر قصته مبتهجا بها وهي تنطوى على علة امتناعه » « 224 » وقد يكون الجواب ناظرا إلى أحد معاني السؤال مغفلا غيرها كما في قوله تعالى : « وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى . قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » « 225 » قال الزمخشري : « فان قلت : « وَما أَعْجَلَكَ » سؤال عن سبب العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال : طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجيز موعدك ، وقوله « هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي » كما ترى غير منطبق عليه ؟ قلت : قد تضمن ما واجه به رب العزة شيئين : أحدهما انكار العجلة في نفسها . والثاني السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه فاعتل بأنه لم يوجد منه الا تقدم يسير مثله لا يعتد به ولا يحتفل به وليس بيني وبين من سبقته الا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم ، ثم عقبه بجواب السؤال فقال : « وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » « 226 » وقد يكون الجواب ناظرا إلى ما في الاستفهام من معنى فرعى غير معناه الأصلي كما في قوله تعالى : « وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ » « 227 » يقول الزمخشري : فان قلت : كيف انطبق هذا جواب عن سؤالهم ؟ قلت : ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له الا تعنتا لا استرشادا فجاء الجواب عن طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الانكار والتعنت وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما » « 228 »

--> ( 223 ) الأعراف : 12 ( 224 ) الكشاف ج 2 ص 70 . ( 225 ) طه : 83 ، 84 ( 226 ) الكشاف ج 3 ص 63 ، 64 . ( 227 ) سبأ : 29 ، 30 ( 228 ) الكشاف ج 3 ص 460 .