محمد محمد أبو موسى
363
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب اليه وينبهه على قدرته الباهرة ، ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد ويقول لك : ما هي ؟ فتقول : زبرة حديد ، ثم يريك بعد أيام لبوسا مسرودا فيقول لك : هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد » « 205 » وقد يكون الجواب نفسه هو المقصد من السؤال لأن للجواب أثرا في سياق الكلام والغرض منه كما في قوله تعالى : « قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا » « 206 » قال الزمخشري : « فان قلت : لم طلب أولا وهو وامرأته على صفة العتى والعقر فلما أسعف بطلبته استبعد واستعجب ؟ قلت : ليجاب بما أجيب به فيزداد المؤمنون ايقانا ويرتدع المبطلون والا فمعتقد زكريا أولا وأخيرا كان على منهاج واحد في أن اللّه غنى عن الأسباب » « 207 » ويجدر بنا الآن أن نسأل : كيف تفيد أدوات الاستفهام هذه المعاني ؟ أي ما نوع دلالتها ؟ ولا تجد جوابا قاطعا في كلام الزمخشري على هذا السؤال أي أنه لم يبين لنا أن إفادة أداة الاستفهام هذه المعاني جاء على طريق المجاز أو على طريق الحقيقة ، نعم قد قال : ان الأداة انسلخ عنها معنى الاستفهام رأسا ، وروى عن سيبويه أنها جرت على حرف الاستفهام ولا استفهام ، كما جرى حرف النداء على صورة النداء ولا نداء . وهذا صريح في أن الأداة صارت خالية من معنى الاستفهام وأنها صارت تحمل معنى آخر جديدا أي هناك نقلا لها ، ثم إنه يقول في « ما » الاستفهامية في قوله تعالى : « فَبِمَ تُبَشِّرُونَ » ؟ « 208 » : « وهي « ما » الاستفهامية دخلها معنى التعجيب » « 209 » وقد يفهم من هذا أن « ما » لم تنسلخ عن الاستفهام رأسا وانما ظل يكمن فيها الاستفهام بعد ما دخلها معنى التعجب . وسواء أكانت
--> ( 205 ) الكشاف ج 3 ص 44 . ( 206 ) مريم : 8 ( 207 ) الكشاف ج 3 ص 4 . ( 208 ) الحجر : 54 ( 209 ) الكشاف .