محمد محمد أبو موسى
342
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وجوبها ، والمسارعة إلى اخراجها مع الدين ، ولذلك جئ بكلمة « أو » للتسوية بينهما في الوجوب » « 87 » . وفي مقام دفع النفس إلى محاربة شهواتها ومجاهدة شرورها يقدم في نهيه ما يمكن أن يكون سببا للخطيئة ومؤديا إليها ، يقول في قوله تعالى : « وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ » « 88 » : « فان قلت : لم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج ؟ قلت : لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور ، والبلوى فيه أشد وأكثر » « 89 » . وحينما يصف القرآن أهوال يوم القيامة وشغل كل امرئ بنفسه وفراره من أهله يقول سبحانه : « يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ » « 90 » وفي هذا الترتيب يلحظ الزمخشري أحوال احساس النفس بالهول ، وتدرجها في هذه الأحوال ، وفرارها من أصناف الأهل ، على وفق مراتب شعورها بالهول ، يقول : « وبدأ بالأخ ، ثم بالأبوين ، لأنهما أقرب منه ، ثم بالصاحبة والبنين ، لأنهم أقرب منه وأحب ، كأنه قال : يفر من أخيه ، بل من أبويه ، بل من صاحبته ، وبنيه » « 91 » . ونجد ترتيبا يقرب من عكس هذا الترتيب في آية أخرى ، ونجد الزمخشري يفسره تفسيرا وجدانيا ويبين مواقع الكلمات على وفق منازلها في النفس يقول في قوله تعالى : « فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ » « 92 » : « وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل ، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن لتمنعهم من
--> ( 87 ) الكشاف ج 1 ص 373 ( 88 ) النور : 31 ( 89 ) الكشاف ج 3 ص 181 ( 90 ) عبس : 34 - 36 ( 91 ) الكشاف ج 4 ص 563 ( 92 ) آل عمران : 61