محمد محمد أبو موسى

343

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

الهرب ، ويسمون الزادة منهم بأرواحهم حماة الحقائق ، وقدمهم في الذكر على الأنفس ، لينبه على لطف مكانهم ، وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها » « 93 » . ومنها تقديم الأفضل ، يقول في قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ » « 94 » : « فان قلت : لم قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على نوح فمن بعده ؟ قلت : هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم ، فلما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم ، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه ، فان قلت : فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية وهي قوله تعالى : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ » « 95 » ثم قدم على غيره ؟ قلت : مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك ، وذلك أن اللّه تعالى انما أوردها لوصف دين الاسلام بالأصالة والاستقامة ، فكأنه قال : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم ، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث ، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير » « 96 » . ولاهتمامه بتقديم الأفضل يبحث سر تأخيره في بعض الصور مبينا كيف خالف القرآن هذا الأصل في التقديم . يقول في قوله تعالى : « وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » « 97 » : « فان قلت : لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله تعالى في سورة سبأ : « عالِمِ الْغَيْبِ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ » ؟ « 98 » قلت : حق السماء أن تقدم على الأرض ، ولكنه لما ذكر

--> ( 93 ) الكشاف ج 1 ص 283 . ( 94 ) الأحزاب : 7 ( 95 ) الشورى : 13 ( 96 ) الكشاف ج 3 ص 415 . ( 97 ) يونس : 61 ( 98 ) سبأ : 3