محمد محمد أبو موسى

33

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وإذا قرأت شعر النابغة وجدت النابغة فيه وعلى عواتقه هموم بنى ذبيان ، وكل له مذهبه وله خواطره ، وله صوره ، وله جمله ، وله رصفه وسبكه . فإذا ما تركنا ذلك وقرأنا البقرة وآل عمران فإننا لن نجد في أي آية ولا في أي سطر هذا الانسان على الحد الذي رأيناه في الشعر ، لن نجد له أثرا البتة . . شعر زهير لما كان مخرجه هو زهير كان يحمل وسم زهير ، وشعر النابغة لما كان مخرجه هو النابغة بخواطره ووساوسه وجيله خرج يحمل وسم النابغة . وقد أكد الباقلاني هذا وشرحه شرحا وافيا ، وأكد أن وسم أبى نواس في شعر أبى نواس ، ووسم مسلم ابن الوليد في شعر مسلم بن الوليد ، والشعر العميق يصف لك الملامح العميقة التي تحت السطح ، والتي يحاول صاحبها أن يخفيها وراء أستار يتقنها من صنعة الشعر فقد يضحك وهو يخفى شجن الأسى وراء رنات الضحك ، وقد يبكى وهو يخفى رنة الطرب وراء عويل الدموع ، ولكن اللغة تقتنص منه هذه الأحوال التي يحاول أن يخفيها وتدل القارئ الفطن عليها لأن الوظيفة الأساسية للغة هي الإبانة عن هذا الانسان ، فلا بد أن يكون الانسان قابعا وراء كل كلمة من كلماتها ، ولا بد أن يكون مصورا في حروفها ، وأصواتها ، وتراكيبها ، وصورها ، ورموزها وشأنها كله . اقرأ أي قصيدة شئت أو أي خطبة فسوف تجد وراء كل سطر نفسا انسانية تشتاق ، أو تطرب ، أو تحزن ، أو تحب ، أو تكره ، أو تعد ، أو ما شئت مما يجرى في خواطر الناس ، واقرأ ما شئت من المصحف فلن تجد هذه النفس البتة ، على حد وجودها هناك ، وأحسب أن هذا هو الذي أدركه الجيل الأول ، لما كان يسمع آيات القرآن فيبسط يده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مبايعا ، وكان قبل ذلك بقليل يكاد يتميز غيظا على هذا الأمر ، وانما حدث في هذه الدقائق القصيرة شئ اقتلع كل ما في النفس ، حتى كأنه كفأها كما يكفأ الاناء ، وأفرغ كل ما فيها ، ولا بد أن يكون ذلك ثمرة احساس فاجأ النفس ،