محمد محمد أبو موسى
34
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وهيمن عليها ، وقهرها ، وليس إلا أنه اعتاد أن يرى الانسان في كل ما تسمعه أذنه من لغة الانسان ، فلما سمع القرآن لم يجد فيه ما اعتاده وانما وجد اللّه فاستيقن . اقرأ أول سورة طه التي هدمت جاهلية عمر فسوف تجد : الذي « خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى » « 13 » ، والذي « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى » « 14 » ، و « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » « 15 » . واقرأ شعر زهير الذي كان يحبه عمر رضى اللّه عنه فسوف تجد نفسا حائمة حائرة حول دمنة أم أوفى تحدق في العين والآرام وهي تمشى خلفة أو تنهض من كل مجثم ، كما تجد النابغة يحدق في الأثافى أو يقف حائرا ليقول : ألمحة من سنا برق قد رأى بصرى ؟ أم وجه نعم بدا لي ؟ أم سنا نار ؟ بل وجه نعم بدا ، والليل معتكر فلاح لي من بين أثواب وأستار تأمل اشتياقه الملتاع إلى نعم ، وكيف تلبس وجهها بسنا البرق وسنا النار والليل معتكر ، هذه بلاغة عالية ، ولكن تربتها ومنبتها ومغرسها هو هذه النفس التي تراها وقد علتها صبوتها وصارت حائرة ترى وجه نعم في وهم صار حقيقة وسنا . وهذا الاتجاه الذي يبحث عن بلاغة خاصة بالقرآن وهي غير بلاغة الشعر والأدب . وكل ما يصدر عن الانسان انما كان لمحة كلمح البرق ما لبثت أن تاهت في الأفق ، ولم يكن مدلولا عليها باللفظ الصريح ، كما قلت ، وانما كان ظاهرا تحت السطح ، ولم يلفتني اليه الا وقفة حائرة مع نص كريم لأبى سليمان حمد بن إبراهيم الخطابي وقد ذكرت ذلك في كتاب الاعجاز .
--> ( 13 ) طه : 4 ( 14 ) طه : 6 ( 15 ) طه : 5