محمد محمد أبو موسى

326

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

أطلق التقديم على القار كما أطلقه على المزال . وقد أحسن حينما خالف هذا التحديد الضيق لمفهوم التقديم والذي يجعله خاصا بالمزال لا بالقار فقد رجع بهذه المخالفة إلى طريقة عبد القاهر لأن البلاغة تبحث أسرار وقوع الكلمات في مواقعها ما جاء منها على الأصل وما جاء على خلافه ، لأنها يمكن أن تقول : لم جاء هذا الأسلوب على الأصل ، وكان يمكن فيه المخالفة ؟ فالسكوت عن السؤال عن علة ما جاء على الأصل أمر لا يطمئن اليه الدارس المتشوق إلى معرفة أسرار اللغة . ولعل الزمخشري حين قال عبارته السابقة التي خالف مفهومها في تفسيره كان متأثرا بالفكرة النحوية أكثر مما هو متأثر بالروح البلاغية . أما تقديم الخبر وهو جار ومجرور فقد أبان الزمخشري عن الغرض منه في مواطن متعددة فذكر دلالته على الاختصاص . يقول في قوله تعالى : « ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ » « 1 » : « تقديم الظرف يدل على الاختصاص ، يعنى لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم الا على القادر الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن ، كما قال تعالى : « ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » « 2 » . ويقول في قوله تعالى : « إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ » « 3 » : « فان قلت : ما معنى تقديم الظرف ؟ قلت : معناه التشديد في الوعيد وأن ايابهم ليس الا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب الا عليه ، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير ، ومعنى الوجوب : الوجوب في الحكمة » « 4 » . ودلالة تقديم الخبر الظرف على الاختصاص يذكرها أيضا في قوله تعالى : « لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ » « 5 » ، وفي قوله تعالى : « وَلِلَّهِ غَيْبُ

--> ( 1 ) سورة ق : 44 ( 2 ) الكشاف ج 4 ص 312 - والآية من سورة لقمان : 28 ( 3 ) الغاشية : 25 ، 26 ( 4 ) الكشاف ج 4 ص 595 . ( 5 ) الكشاف ج 4 ص 436 - والآية من سورة التغابن : 1