محمد محمد أبو موسى
316
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وعبارة الزمخشري هنا مصورة لنفوس الاخوة وهم يتآمرون وذلك بلمحه معنى التنكير . وكلمة « بعض » كلمة مبهمة في مدلولها ولهذا نجد لها وقعا في استعمالات القرآن وفي كلام الفحول ، والزمخشري ينبه إلى هذا في قوله تعالى : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ » « 292 » « يعنى بذنب التولي عن حكم اللّه وإرادة خلافه فوضع « ببعض ذنوبهم » موضع ذلك وأراد أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها . وواحد منها ، أو هذا الابهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه ، ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد : « أو يرتبط بعض النفوس حمامها » أراد نفسه وانما قصد تفخيم شأنها بهذا الابهام كأنه قال : نفسا كبيرة ، ونفسا أي نفس ، فكما أن التنكير يعطى تعالى : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ » « 293 » : ويتكرر هذا في قوله تعالى : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ » « 294 » ، يقول : « والظاهر أنه أراد محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم » . « وفي هذا الابهام من تفخيم فضله واعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه والمتميز الذي لا يلتبس ويقال للرجل : من فعل هذا ؟ فيقول : أحدكم أو بعضكم ، يريد الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال فيكون أفخم من التصريح وأنوه بصاحبه ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث - أراد نفسه - ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي ، لم يفخم أمره » « 295 » وقد يشير التنكير إلى النوعية اى إلى نوع من أنواع الاسم النكرة .
--> ( 292 ) المائدة : 49 ( 293 ) الكشاف ج 1 ص 498 ( 294 ) البقرة : 253 ( 295 ) الكشاف ج 1 ص 226