محمد محمد أبو موسى
283
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وتتكرر هذه الدلالة في صيغة المضارع وتتكرر إشاراته إليها في قوله تعالى : « كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ » « 106 » ولم يقل « أوحى » ليدل على أن الوحي من عادته وفي قوله تعالى : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » « 107 » حيث قال « فتصبح » ولم يقل : فأصبحت ، ليشير إلى أن خضرتها تبقى وتتجدد زمانا بعد زمان كقولك : أنعم على فلان فأروح وأغدوا في نعمه ، ولو قلت : فرحت وغدوت لم يكن شيئا » « 108 » . وقد يختلف نوع الفعل في الآية الواحدة والمقام الواحد ويلفتنا الزمخشري إلى السر وراء هذا الاختلاف ويشير إلى لمحته الدالة . يقول في قوله تعالى : « قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » « 109 » : « فان قلت : هلا قيل : انى أشهد اللّه وأشهدكم ؟ قلت : لأن اشهاد اللّه على البراءة من الشرك اشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده ، وأما اشهادهم فما هو الا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب ، فعدل بهم عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجئ به على لفظ الأمر بالشهادة كما تقول لمن يبس الثرى بينه وبينك : أشهد على انى لا أحبك » « 110 » . وللزمخشري نظرات في صيغ الأفعال الماضية يشير فيها إلى المعاني البلاغية التي تفيدها هذه الصيغ في مقاماتها المختلفة . فالقرآن الكريم يختار صيغة « فعّل » على صيغة « أفعل » في قوله تعالى : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » « 111 » لأن المراد النزول على سبيل التدرج والتنجيم « وهو من مجازه لمكان التحدي ، وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند اللّه مخالفا لما يكون من
--> ( 106 ) الشورى : 3 ( 107 ) الحج : 63 ( 108 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 163 ، ج 3 ص 132 ( 109 ) هود : 54 ( 110 ) الكشاف ج 2 ص 315 ( 111 ) البقرة : 23