محمد محمد أبو موسى
284
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما ترى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا وشيئا فشيئا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمى الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة فلو أنزله اللّه لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة ، قال اللّه تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » « 112 » . فقيل : ان ارتبتم في هذا الذي وقع انزاله هكذا على مهل وتدرج فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجما فردا من نجومه » « 113 » . ويفرق بين دلالة « فعل » و « افتعل » ويشير إلى ما فيها من معاني الاهتمام والاعتمال ولهذا تقع مع الأحداث التي تنجذب إليها النفوس وتكون موضع تعلقها واهتمامها ، يقول في قوله تعالى : « لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » « 114 » : « فان قلت : لم خص الخبر بالكسب ، والشر بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمال فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة اليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال » « 115 » . وقد يشير إلى أهمية صيغة الكلمة واصابتها لموقعها وأثرها في نفسه من غير أن يشرح هذه الأهمية ولا أن يوضح هذه الإصابة ، وهذا لون من دراسة البلاغة التي يعتمد فيها على حسه ثم لا يعلل . وإذا كانت من عادته أن يشرح عناصر الجودة وأسس البلاغة فلا ضير أن يتركنا لأنفسنا في بعضها وحسبه أن يشير إلى ما يجد . يقول في قوله تعالى : « أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً » « 116 » : « من قولهم أطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه وأطلع
--> ( 112 ) الفرقان : 32 ( 113 ) الكشاف ج 1 ص 73 ( 114 ) البقرة : 286 ( 115 ) الكشاف ج 1 ص 254 ( 116 ) مريم : 78