محمد محمد أبو موسى

28

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

في معرفة الشعر وأسراره ، وأنه لا يدرك أن كلام اللّه فوق كل كلام الا من اكتمل في معرفة نقد الشعر وميزه ، وعرف أن الكلام يعلو مرقبا فوق مرقب وأنه طبقات تتنزل في منازل ، وأن بعضه فوق بعض . ثم إن الفكرة التي غلبت على نفسي في هذه السنوات الأخيرة ، وكتبتها في مقدمات بعض كتبي وهي ضرورة سعى الدرس البلاغي نحو تحديد الخصوصيات الدقيقة التي تحدد أدب كل أديب وشعر كل شاعر انما هي مما أكده في نفسي أبو بكر بن الطيب وهو يدرس الاعجاز لأنى رأيته يبحث في كلام اللّه عن اللّه ، من حيث جعل سبحانه كلامه دليلا عليه ، وبرهانا لنبيه وحجة بالغة على خلقه ، « أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ » « 10 » . وكان قبل أن يدلك على البحث في كتاب اللّه عن اللّه يدلك على البحث في كلام كل ذي كلام عن صاحبه ، يعنى أن تبحث في كلام زهير عن زهير وفي كلام النابغة عن النابغة وفي كلام أبى العلاء عن أبي العلاء . . وهكذا ، لأن الكلام الصادر عن متكلم مبين ببيان بليغ يحمل - لا محالة - أدق ملامحه ، يعنى ترى فيه من الأحوال النفسية واللغوية وطرائق التأتى وغير ذلك مما يدخل في بنية الكلام ويشكل هذه البنية ، وكل هذا ينتهى بك إلى تحديد المتكلم ووسمه وطبعه ، وهذه الدلالة لا يخطئها العلماء . فإذا أحسنت فهم هذا وبلغت فيه مبلغ العلماء ثم نظرت في كلام اللّه فلن تجد وراءه شيئا من هذا ، لن تجد وراءه حالا من أحوال النفس البشرية التي تجدها سافرة وراء كلام زهير والأعشى ووراء كل كلام صدر عن نفس بشرية يحمل لا محالة خصائصها ، وطباعها ، وقوتها ، وضعفها ، وأملها ، ويأسها ، ورضاها ، وغضبها ، وسعادتها ، وشقاوتها . . إلى آخر ما أنت واجده في كل ما تقرأ ، وانما تجد وراء هذا الكلام قوة فوق كل القوى ، وقدرة فوق كل القدر ، وعلما

--> ( 10 ) العنكبوت : 51