محمد محمد أبو موسى

29

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

فوق كل علم ، واتقانا فوق كل اتقان ، وبيانا فوق كل بيان ، يعنى تجد في الكلام كمالا مطلقا ولا يمكن أن تجد توقيعة واحدة من توقيعات هذا الكمال المطلق في كلام واحد من الناس . وحسبك هذا في تفتيش الكلام وتحليله ، وتذوقه وتبينه ، والوعي به ، والفطنة لكل همسة وإشارة ولمحة ، والتنبه لكل ذلك تنبها تقع به على ملامح صاحب الكلام وكأنك ترى صورته « الفوتوغرافية » تتحرك في سطوره . والباقلاني بعد ما يحدثك عن هذا وعن الذي هو أجل منه ألف مرة يقول لك : « هيهات . هيهات ! ! هذا أمر وان دق فله قوم يقتلونه علما وأهل يحيطون به فهما ، ويعرفونه إليك ان شئت ، ويصورونه لديك ان أردت ، ويجلونه عن خواطرك ان أحببت ، ويعرفونه لفطنتك ان حاولت ، وقد قال القائل : للحرب والضّرب أقوام لها خلقوا * وللدّواوين كتّاب وحسّاب ولكل عمل رجال ، ولكل صنعة ناس ، وفي كل فرقة الجاهل ، والعالم ، والمتوسط ، ولكن قد قل من يميز في هذا الفن خاصة ، وذهب من يحصل في هذا الشأن الا قليلا » انتهى كلامه رحمه اللّه « 11 » . * * * الاعتقاد بأن القرآن الكريم أعجز الجيل الذي نزل فيه ، والأجيال اللاحقة ، وأنه سيظل كذلك معجزا لأجيال الناس حتى ينتهى التكليف بقيام الساعة ، هذا الاعتقاد واحد من عقائد المسلمين كالاعتقاد بالبعث ، والحساب ، والجنة ، والنار . . لا خلاف فيه ، ومنكره راد لخبر الكتاب العزيز لأن صريح القرآن جاء به « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » « 12 » .

--> ( 11 ) اعجاز القرآن ص 125 ( 12 ) البقرة : 23 ، 24