محمد محمد أبو موسى

276

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

المفرد ، ولكنه غفل عن ما لفت الزمخشري وأبان عنه في دقة ، وهو الخلاف بين الكلمتين من ناحية الجمع والافراد ، وان كانت كل واحدة دالة على الجمع . ونلحظ في كلام ابن المنير روح الجدل الفقهي ، كما نلحظ فيه كلمات انفعالية تدل على موقفه المتعصب ، يقول ابن المنير معلقا على كلام الزمخشري السابق : « والعجيب أن الصديق يقع على الواحد وعلى الجمع فما الدليل على إرادة الافراد ؟ ثم لو كان المراد الافراد لكان أعم لأنه في سياق النفي فينفى الواحد وما زاد عليه إلى ما لا نهاية له » « 77 » . ولا ينهض هذا مع قوته اعتراضا على الزمخشري لأن الصديق وان كانت تطلق على الجمع فان السؤال : لما ذا خالف القرآن بين الكلمتين وعمد إلى الجمع في « شافعين » والافراد في « صديق » وان كان مدلولهما واحدا ؟ وقد يلحظ الزمخشري في صيغة الجمع لمسة أخلاقية لا يدركها الا من له بصيرة في ذوق الأسلوب ، يقول في قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ » « 78 » : « ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على الحجرات متطلبين له فناداه بعض من وراء هذه وبعض من وراء تلك وأنهم قد أتوا حجرة فنادوه من ورائها وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها ، ولكنها جمعت اجلالا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولمكان حرمته » « 79 » . فالزمخشرى يدرك الفرق بين أن يكون التعبير : ان الذين ينادونك من وراء حجرتك أو من وراء الحجرة ، وبين ما جاء عليه القرآن ، وأن في كلمة حجرة بهذا النص وهذا التحديد معنى يكره القرآن أن يواجه به محمد صلوات اللّه عليه اجلالا لحرمته فيأتي بصيغة الجمع ليفهم هذا التنصيص ضمن مدلولها حتى لا يتجه اليه الفكر منفردا ، وانما يكتفى باللمسة الخفيفة والإشارة التي هي كالوحى في هذا المقام . ولهذا المعنى

--> ( 77 ) حاشية ابن المنبر على هامش المرجع السابق . ( 78 ) الحجرات : 4 ( 79 ) الكشاف ج 4 ص 284