محمد محمد أبو موسى
277
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يقول الزمخشري معلقا على هذه الآية ومتعجبا مما تتضمنه من عناصر البلاغة واعجاز الفن : « فورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى على الناظر من بينات اكبار محل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واجلاله ، منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين بالسفه والجهل لما أقدموا عليه ، ومنها لفظ الحجرات وايقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، ومنها المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم » « 80 » . وصيغة الجمع قد تشعر بمعانى التعظيم والاجلال حينما يوضع ما للجماعة للواحد . وقد أشار النحاة إلى هذا المعنى في الضمائر وقالوا : ان ضمير جمع المتكلمين المتصل أو المنفصل قد يأتي للمتكلم المعظم نفسه . والزمخشري ينقل هذا من ضمائر الجمع إلى صيغ الجمع فيقول في قوله تعالى : « وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ » « 81 » : « والجمع دليل العظمة والمعنى : انا أجبناه أحسن الإجابة وأوصلها إلى مراده وبغيته من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بأبلغ ما يكون » « 82 » . وقد يأتي القرآن الكريم بجمع القلة مكان جمع الكثرة ليشير بهذا إلى معنى ، وقد يعكس هذا فيأتي بجمع الكثرة مكان جمع القلة ، والزمخشري يقف في هذه المقامات محاولا كشف هذه الإشارات والافصاح عن النكتة البلاغية وهو في هذا قد يصيب وقد ترى أن تخالفه . فمن ذلك وهو فيه مصيب قوله تعالى : « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ » « 83 » قال : « والأذلة جمع قلة والأذلاء جمع الكثرة ، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا ، وذلتهم ما كان بهم من ضعف الحال ، وقلة السلاح والمال المركوب » « 84 » . ومنه ما قاله في قوله تعالى : « رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا
--> ( 80 ) نفس المرجع السابق . ( 81 ) الصافات : 75 ( 82 ) الكشاف ج 4 ص 37 ( 83 ) آل عمران : 123 ( 84 ) الكشاف ج 4 ص 316