محمد محمد أبو موسى
268
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ما تلوح به كلمة « ذرأ » من تجهيل المشركين وغفلتهم في قوله تعالى : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً » « 30 » ، ويشير إلى ما في كلمة « أخ » من معاني المحبة والمودة التي تحبب العفو إلى نفس ولى الدم في قوله تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ » « 31 » ، ويشير إلى ما في لفظ « الخرطوم » من الاستخفاف والاستهانة في قوله تعالى : « سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ » « 32 » ، وفي كلمة « بارئكم » في نداء موسى عليه السلام لبنى إسرائيل في قوله تعالى : « فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ » « 33 » معنى التقريع واللوم لأنهم تركوا عبادة الباري أي الذي خلق الخلق بريا من التفاوت إلى عبادة البقرة وهي مثل في البلادة « 34 » . والزمخشري يشير إلى الفروق بين دلالات الألفاظ المتقاربة ويبين في ضوء هذه التفرقة الدقيقة سر اختيار كل كلمة في موضعها . يقول في قوله تعالى : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » « 35 » : « والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير . . . وفي الجعل معنى التصيير كانشاء شئ من شئ أو تصيير شئ شيئا أو نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك : « وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها » « 36 » ، و « جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من النار ، « ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً » « 37 » ، « أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً » « 38 » . وقد تبدل كلمة مكان أخرى في آية مشابهة ويلحظ الزمخشري هذا ويناقشه ويبحث المقامين ويشرح أسلوب الآيتين وكيف اقتضى كل مقام من المقامين هذه الكلمة بعينها ، وله في هذا كلام جيد يقول في قوله
--> ( 30 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 53 - والآية من سورة الأنعام : 136 ( 31 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 167 - والآية من سورة البقرة : 178 ( 32 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 473 - والآية من سورة القلم : 16 ( 33 ) البقرة : 54 ( 34 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 105 ( 35 ) الأنعام : 1 ( 36 ) الأعراف : 189 ( 37 ) فاطر : 11 ( 38 ) سورة ص : 5