محمد محمد أبو موسى

269

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

تعالى : « قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » « 39 » : « فان قلت : هلا قيل يعلم السر لقوله : « وَأَسَرُّوا النَّجْوى » ؟ قلت : القول عام يشمل السر والجهر فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول : يعلم سرهم ، كما أن قوله « يعلم السر » آكد من أن يقول : يعلم سرهم ، ثم بين ذلك بأنه « السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » لذاته فكيف تخفى عليه خافية . فان قلت : فلم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله تعالى : « قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » « 40 » ؟ قلت : ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع ولكن يجيء بالوكيدة تارة وبالآكد أخرى كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتنانا وتجمع الغاية وما دونها ، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى فكأنه أراد أن يقول : ان ربى يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة ، وثم قصد وصف ذاته بأنه : « أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » فهو كقوله : « عَلَّامُ الْغُيُوبِ » ، « عالِمِ الْغَيْبِ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ » « 41 » . وفي هذا النص يتضح رأيه في تفاوت بلاغة القرآن بين البليغ والأبلغ ، والحسن والأحسن ، ليجمع الغاية وما دونها كما يقول . وفيه نزعة اعتزالية لا نتعرض لها لأننا منصرفون إلى تمحيص البحث البلاغي في هذا الكتاب أما أن الصفات عين الذات كما يقول أو غيرها كما يقول أهل السنة وكما رد بذلك ابن المنير في قوة جدل فذلك أمر لا نريد أن نزحم بحثنا به .

--> ( 39 ) الكشاف ج 1 ص 1 - والآية من سورة الأنبياء : 4 ( 40 ) الفرقان : 6 ( 41 ) الكشاف ج 3 ص 81 ، وينظر الشهاب الخفاجي ج 6 ص 345 - والآية من سورة سبأ : 3