محمد محمد أبو موسى
249
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
تأليف الكشاف وكرر ذكره في كتابه الصغير أعجب العجب وذكره في كتاب المفصل وكرره كثيرا في ديوان شعره ومدح الكثير بتبحرهم في علمي المعاني والبيان . وكل هذه الإشارات لا تكشف لنا مراده بهذين العلمين كشفا محددا وان كانت تدلنا على أن هذا الاصطلاح كان قارا في نفسه وواضحا في ادراكه وأنه لم يقع في مقدمة التفسير عفوا وانسياقا وراء الكلام . وكنا نظن أن الشيخ العلامة السيد الشريف سيعيننا في هذا الموضوع بكلمة في حاشيته الفائقة على الكشاف عند ذكر هذا الاصطلاح ولكنه رحمه اللّه مر عليها غير ملتفت إليها لأن العناية بتاريخ العلوم لم تكن تلاقى كثيرا من اهتماماتهم التي انصرفت إلى الفن ومسائله . ونحاول الآن أن نقف على مدلول هذين العلمين في تفسيره . والزمخشري يذكر علماء المعاني ويعنى بهم العلماء القادرين على استخراج المعاني بفهم ونفاذ وذلك باستبطانهم لهذه النصوص وتغلغلهم فيها فهم قوم قد راضوا أذهانهم على هذا النوع من النظر ، يقول في قوله تعالى : « قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ . قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا » « 40 » : « هذا من معاريض الكلام ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها الا أذهان الراضة من علماء المعاني والقول فيه : ان قصد إبراهيم صلوات اللّه عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وانما قصد تقريره لنفسه واثباته لها على أسلوب تعريضى يبلغ فيه غرضه من الزامهم الحجة وتبكيتهم . وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط : أأنت كتبت هذا ؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر الا على خرمشة فاسدة فقلت له : بل كتبته أنت ، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك واثباته للأمى أو المخرمش لأن اثباته والأمر دائر بينكما للعاجز منكما استهزاء به واثبات للقادر » « 41 » .
--> ( 40 ) الأنبياء : 62 ، 63 ( 41 ) الكشاف ج 3 ص 98 .