محمد محمد أبو موسى

250

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وإذا كانت هذه وظيفة علماء المعاني كما يحددها هذا النص فإنه يمكن أن نقول : ان علم المعاني هو العلم الذي يرشد إلى ما تحمله النصوص الأدبية من دقيق المعاني وخفى الايحاءات وذلك بدراسة هذه النصوص وتقليب دلالتها على وجوه مختلفة وتوضيح ما يعطيه متن النص أو جانبه . ونلاحظ هنا أن الأسلوب المدروس أسلوب التعريض وهو من فنون علم البيان كما حددها المتأخرون . ويؤكد هذا المفهوم لهذا العلم قوله في آية : « لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ » « 42 » يقول : « فان قلت : من أين دل قوله « وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ » على أن المعنى ولا من فوقه ؟ قلت : من حيث أن علم المعاني لا يقتضى غير ذلك . وذلك أن الكلام انما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجة . كأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح ، ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة ، ومثاله قول القائل : وما مثله ممن يجاود حاتم * ولا البحر ذو الأمواج يلتجّ زاخره لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله : « وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى » « 43 » حتى يعترف بالفرق البين « 44 » . ثم ما علاقة هذا المفهوم بمفهوم النظم أو علم النظم ؟ نكون من المتكلفين إذا أقمنا هنا فرقا فقد أوضحنا أن علم النظم هو الذي يختص بابراز الأسرار والنكت كما قال ، وليست الأسرار والنكت الا تلك المعاني الخفية التي تظل محتجبة حتى يبرزها راضة هذا العلم .

--> ( 42 ) النساء : 172 ( 43 ) البقرة : 120 ( 44 ) الكشاف ج 1 ص 462 ، 463